حصلت “صحيفة الأفلاج” على خطبة الجمعه التي حث فيها الشيخ حبشان الحبشان خطيب جامع المغيرة بن شعبة على شكر النعم وذلك على خلفية صورة إنتشرت مؤخراً عبر الواتساب والبلاك بيري وعلى مواقع التواصل الإجتماعي “فيس بوك” و “تويتر” ونشرتها صحيفة الأفلاج الإلكترونية الأسبوع الماضي ونشر عنها الزميل “مشعي البريكان” في جريدة الرياض ..
الخطبة :
إنَّ دينَ الله لما كان دينَ القِسط والقصد، وإنَّ هذه الأمة لما كانت أمّةً وسطًا أي عَدلاً خِيارًا فلا عَجب أن ينهَى الله المؤمنين عن رذيلةِ الإسراف والتبذير كما ينهاهم عن رَذيلة الشحّ والتقتير، فيقول عزّ من قائل ” يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ “، ويقول عز اسمه في صفات عباد الرّحمن ” وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا” وقال تقدَّست أسماؤه وصِفاته ” وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا” وقال عزّ وجلّ ” وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ”
إنّه تشريعٌ ربانيٌّ في الإنفاقِ ما أحكَمَه! وما أعظمه! وما أجدر الخلائقَ كافةً أن يأخذوا به في كلّ شؤونهم! فتنتظمَ أمورهم وتزكو أموالهم وتطيب حياتهم ويحظَوا برضوان ربهم.
عباد الله خلال الأيام الاربعة المنصرمة بعد العيد تداول الناس صورة لم تأتينا من خارج البلاد و لا من المحافظات البعيدة عنا بل كل من شاهد الصورة علم مكانها و حدد موقعها إنها صورة لاثنين من العمال و هم يقومون بإلقاء الأرز في صندوق النفايات و هذه الصورة تدمي القلب و تدمع العين و قد قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله حول مثل هذا الموضوع ما نصه ” وينبغي على صاحب الوليمة أن يتحرى المطلوب الذي لا بد منه، أما الأشياء التي لا حاجة إليها فينبغي أن يتركها، والباقي يسلم للجهات التي تقبله مثل الجمعيات الخيرية, أو بعض الفقراء، أو العمال، ينقل إليهم.
فالواجب أن ينقل إلى من يستفيد منه، ولا يلقى في النفايات، ولا مع القمامات، ولا بقرب النجاسات، بل ينقل إلى المحتاجين.
وإذا لم يكن هناك محتاجون فينقل إلى محل سليم، ليس في الطرقات ولا مع القاذورات، فلعله أن يأتي من يأكله من الناس أو الدواب، وحتى لا يمتهن، وهذا عند الضرورة.
أما إذا وُجِد من يأكله من عمال أو فقراء؛ فالواجب إيصاله إليهم، أو تجفيفه حتى ينقل لمحتاجين إليه، ولو علفا للدواب.
وإذا حصل اقتصاد وعدم تكلف قلت الأطعمة الباقية.” أ . ه رحمه الله
و إن أصحاب المطاعم و المطابخ و عمالهم تقع عليهم مسؤولية في مثل هذه الممارسات فيجب على الكفلاء الأخذ على أيدي العمال و حفظ هذه النعم أدامها الله
أيها المؤمنون روى الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة و ذكر منهم
المنفق فيسأله رب العزة عن ماله فيقول يارب انفقته فى سبيلك
فيقول له رب العزة : كذبت انفقته ليقال أنك جواد كريم وقد قيل فيأمر الله فيأخذ الى النار”
الذي يذبح الذبائح ذوات العدد و تؤكل و لا يرم منها شيء فهو مأجور و مثاب وخصوصا إذا كان هذا مقروناً بالشكر و الإمتثال فعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم ضيفه ” رواه البخاري ومسلم .
إن إكرام الضيف يمثل سمة بارزة للسمو الأخلاقي الذي تدعو إليه تعاليم الشريعة ، والتخلق بها يعدّ مظهرا من مظاهر تمام الإيمان وكماله ، ويكفينا دلالة على ذلك ، قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي بين أيدينا ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ”
عباد الله لقد حبانا الله من النعم و وفرة المال و سعة الرزق و كثرة الخيرات ما لا يعده و يحصيه إلا من رزقنا إياه جل و علا فهل من شكر النعمة و أداء حقها أن ترمى في براميل النفايات ؟ لا يردع من ذلك خوف من الله ! و لا حياء من الناس !
ألم يسمع هؤلاء قول الله تعالى ” وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين * وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ” يقول تعالى معرضا بأهل مكة في قوله ” وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ” أي : طغت وأشرت وكفرت نعمة الله ، فيما أنعم به عليهم من الأرزاق ، كما قال في الآية الأخرى ” وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون . ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ” ولهذا قال ” فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ” أي : دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم .
إن مما أصبنا به هو تغليب العادات على الشرائع فأصبح الناس يراعون العرف و يهتمون لأجله و لو عارض نص صريح و شرع مانع أو مبيح و القاعدة المعروفة أن العرف محكم مالم يعارض النصوص فكيف بالأعراف التي تؤدي لإهلاك المجتمع و إغراق سفينته و قد حرص ولاة أمرنا في هذه البلاد على عدم الإسراف و التبذير في الولائم و من ذلك تعميم وزارة الداخلية للفنادق و صالات الأفراح بعدم السهر و الاقتصاد في الولائم و لنا في رسولنا صلى الله عليه و سلم القدوة الحسنة حيث لم يتكلف مفقود و لم يذخر موجود
فلنتقي الله جل و علا و لننظر بما حل بمن حولنا من مجاعات و تغير أحوال فليس بيننا و بين الله نسب و قد قال في محكم التنزيل “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ”
اللهم ارزقنا شكر نعمتك و لا تؤاخذنا بما فعل السفاء منا
