.
قال الشاعر عبد الله بن راجس الدوسري
رياضة المشي للأجساد منفعة
وللنفوس تراويحٌ وإسعادُ
يوصي الطبيب به من جاء مشتكيا
كم عوفيت فيه أرواحٌ وأجساد
ما أعظم ديننا الإسلامي! فلم يدع لنا أمر خير إلا دلنا عليه ولا أمر شر إلا حذرنا منه فقد أوصانا الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم– بآداب وتعاليم نرتقي بها في حياتنا اليومية ، ومن هذه الآداب آداب المشي في الطرقات؛ لأن الناظر إلى المجتمعات اليوم في غدوّهم ورواحهم عبر الطرقات يجد أن هذه الظاهرة لن تتوقف عبر التاريخ ؛ بل تزداد انتشارا يوما بعد يوم لتوسع المجتمعات وكثرة التنقلات والذهاب والإياب فيها، ولقد اعتنى ديننا العظيم عناية جادة بالطريق وبيّن لنا آداب المشي فيها أيًا كان نوع المشي سواء أكان مرورًا أم للرياضة؛ بل عدّها من السلوك الظاهر الذي له آداب في الإسلام، وهي اليوم في حاضرنا من الآداب الحضارية الاجتماعية يرتقي بها المجتمع؛ لأنها تعبر عن ثقافته ومواكبته للحضارات، ولذلك ينبغي التنبيه له دائما؛ لأن الناشئة يجب أن تتربى عليه حتى يكون من سلوكها وثقافتها، ثم إن بعض الكبار يغفلون عنه فيحتاجون إلى التذكير به، بل قد نجد من يعرف تلك الآداب وقيمتها الدينية والحضارية من خلال ثقافته العامة أو تربيته ثم يتمرد عليها، وهذا قد ينفعه الاستمرار في التذكير بأهميتها وقيمتها الدينية والحضارية الاجتماعية.
وقد جاء الإسلام بآداب حسنة، وطلب من المسلمين التأدب بها؛ لأن الطريق حق مشترك بين الناس، والأمور المشتركة يربي الإسلام أتباعه على الإنصاف فيها، ويأمرهم باجتناب الأذى أو الإضرار بالآخرين. فأمر الماشيَ أن يجتنب في مشيته ما يثير نظر الناس وانتباههم إليه، أو يبعث في نفوسهم السخرية أو الاشمئزاز: كالتبختر والخيلاء والظهور بمظهر الغطرسة، والتكبر في الأرض ورفع الصوت، فإن ذلك يسخط الله تعالى، ويورث في نفوس الناس العداوة لذلك الشخص الذي يتمايل أمام الناس؛ ليسد عليهم الطريق بتباطئه وتثاقله في مشيته تيها بنفسه. ومعلوم أن المخالف لتعاليم الإسلام بعد العلم بها إنما يبعثه على ذلك ضعف في الدين وخفة في العقل كما يدل عليه قوله تعالى: “ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً” (الإسراء: 37).
ومن هذه الآداب تسليم الراكب على الماشي والماشي على القاعد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ, فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ))
وقد نهى الإسلام عن الاختيال في المشي وإساءة الطريق به وبالمظاهر غير اللائقة بالإنسان المسلم ذي الأخلاق العالية بدينه وثقافته فلا معنى للاختيال والإعجاب بالنفس والمظهر في الملبس أو الجمال والقوة ما دام فاعل ذلك ضَعِيفًا في كل الأحوال وكل الاتجاهات، فلا الأرض بقوة ضربه عليها يمكنه أن يخرقها، ولا الجبال الراسيات الشاهقات يمكنه أن يطاولها، فالأولى به أن يتحلى بصفات عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض بسكينة ووقار تمسكا بالمظهر الإسلامي العام في حقوق الناس في الطريق، وشعورا بعظمة الخالق جل جلاله في نفوسهم. قال تعالى: “وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً” (الفرقان: 63) فقد صور القرآن الكريم حال الناس الذين خصهم بعباد الرحمن مبينا ما يتصفون به من آداب الطريق وإعطائها حقها في المشي بكل الوسائل، فعلى المسلم الالتزام في مشيته وإعطاء الطريق حقه سواء أكان مرورًا أم رياضة أم غير ذلك من الوسائل الأخرى، فهم في حال مشيتهم متواضعون، وفي حال ردهم على من أساء خطابهم مسالمون متجاوزون، ومتصفون بالقول الحسن من أي رد يؤدي إلى المخاصمات والمشاجرات في الشوارع والطرقات والأماكن العامة، فكما يطلب من المسلم التزام هذه الآداب في مشيته وقوله، فإنه يطلب منه أن يكف كل الأذى عن الناس المشاركين له في الشوارع والطرقات والأماكن العامة: كالمساجد والأسواق والحدائق والمدارس وغيرها؛ لأنهم يدخلون هذه الأماكن على سجيتهم، وينطلقون فيها لمصالحهم الدينية والدنيوية، فمن حقهم الحماية من كل ما يؤذيهم أو يشعرهم بالخوف والرعب: كالسلاح والآلات الحادة، أو المواد السامة، أو المنفرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مرّ أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل فليأخذ بنصالها: أي رأسها الحاد منها، ثم ليأخذ بنصالها ثم ليأخذ بنصالها) كرر ذلك اللفظ تأكيدا وتحذيرا من أذية الناس لأن من شأن المسلم إزالة الأذى عن المسلمين إذ بذلك يكسب الأجر والثناء الحسن فقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأبي برزة الأسلمي رضي الله عنه عندما طلب منه أن يعلمه شيئا ينفعه في آخرته: (اعزل الأذى عن طريق المسلمين) كما في صحيح مسلم، فينبغي التذكير بهذه الآداب؛ لتكون ثقافة عملية سلوكية وخصوصا في وجه الذين يحملون ثقافة حمل السلاح على الناس لقتلهم أو من يروعون الناس بسياراتهم التي يتهورون بها مخالفين بذلك الآداب الإسلامية والقوانين المنظمة لحقوق الناس في الطريق، وهي أفعال تضر بالمصلحة في المجتمع فرادى وجماعات. وختامًا نوصي بالالتزام بآداب الإسلام الحنيف في إعطاء الطريق حقها؛ لنكون مسهمين في حياة آمنة مطمئنة للفرد والمجتمع بما حث عليه ديننا العظيم
قال الشاعر عبد الله بن مسفر الزعبي
في المشي آفاق على أحواله والروح في ذاك المسير تروق
لا عيب في مشي وسبر مفازة
ومع الجبال عزائم وفريق
حرِّكْ حياتك في طريقٍ ناشرا
أن السلامة رحلة وطريق
بقلم / راشد بن إدريس آل دحيم
الجمعة 1439/7/20هـ
رئيس قسم اللغة العربية في تعليم الأفلاج
رئيس لجنة الأفلاج الثقافية

التعليقات 1
1 ping
2018-04-06 في 9:14 م[3] رابط التعليق
سلمت يمينك أستاذ راشد على هذا المقال ، الرائع ، لقد كتبتَ فأبدعتَ ، فلله درك