بسم الله الرحمن الرحيم
" رسالة عزاء إلى أخي و ابن عمي سعيد بن بكر آل بكر "
أخي الفاضل : حمداً للمولى جلَّ و علا على قضائه وقدره. والذي قد يكون فيه الخير ونحن لا نعلم. فالموت حق كما قال تعالى : (( كلُ من عليها فان )) وقول الشاعر :
حكم المنية في البرية جارِ .. ما هذه الدنيا بدار قرارِ
وعقيدتنا كمسلمين الإيمان بالقضاء والقدر والموت من غير اعتراضٍ على ذلك ولا جزع ولا تَسخُط .
أخي الكريم : لست وحدك من أُبتُليَ بفقد أخيك فالمصابُ واحد والفقيد فقيد العائلة ومحبيه أجمع. فقد ذرفت العيون الدموع وارتفع البكاء وتحشرجت العبرات في الصدور لفقد ناصر.
ولأن الحال سيتكرر فينا وفي غيرنا فقد حاولت أن أكتب لك بعض الخواطر التي حاولت أن أجمعها تسلية لنا ولك ولمن قرأها عن فقد من نحب.
أولاً: فقد الأحبة : مما يبتلي به الله عباده المؤمنين فقد أحبتهم سواءاً كان والداً أو ولداً أو زوجاً أو قريب، ولم يسلم من ذلك حتى سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم فقد أُبتُليَ بفقد جميع أبنائه وهم صغار.
وفي الموت نوعٌ من أنواع الابتلاء التي يبتلي الله بها خلقه. قال الله تعالى : (( ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات )) ثم ماذا بعد ذلك قال تعالى : (( وبشرِ الصابرين )) ، هذه بشارة من الله للصابرين. من هم ... قال تعالى : (( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنَّا لله و إنا إليه راجعون )) والبشارة ... (( أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة و أولئكَ هم المهتدون )) اللهم اجعلنا منهم. فهذه بشارة لمن صبر و احتسب و استرجع فالله يُثني عليهم ويُنَوهُ بحالهم. ولهم رحمة من الله عظيمة حيث وفقهم للصبر وهداهم أيضاً للحق في الدنيا والأجر في الآخرة. وبيان ذلك في قوله تعالى : (( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب )) .
ثانيا: سنة الله في دفن الميت : هل نحن نكره أمواتنا من أجل أن نحثو عليهم التراب. لا... و ألف لا. ولكن هذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. فإكرام الميت دفنه. والحمد لله المسلم يدرك هذا بالفطرة. فتجد أن أول من يحاول الاسراع بدفن الميت هم أهله و أسرته. فهل يرضى أحد منا أن نحثو عليه حفنةً من التراب وهو حي. لا والله . ولكن نفعل ذلك بالميت امتثالاً لأمر ديننا الحنيف. واسمع معي لهذا الشاعر الذي يتحسر على دفن رفيقه :
هو الموت ما عنه ملاذٌ ومهرب .. متى حُطَّ ذا عن نعشه ذاك يَركبُ
ولله كم غادٍ حبيب و رائح .. نشيعه للقبر والدمع يَسكبُ
نُهيلُ عليه التُربَ حتى كأنه .. عدو و في الأحشاء نار تلهبُ
فلو كان يُفْدى بالنفوس وما غلا .. لطبنا نفوسا بالذي كان يطلبُ
ولكن إذا تم المدى نفذ القضا .. وما لا مرئ عما قضى الله مهربُ
ــ هذا حالنا عند فقد الأحبة ... احتسابٌ و استسلام ورضا بالقضاء والقدر . بهذا يحصل لك الأجر من الله .
و إن فاتك الصبر والرضا فاتك الأجر و لم تبلغ المطلوب .
ثالثاً: سمو الروح و الأخلاق جائزتهما المحبة : تجلى ذلك في فقيدنا الغالي ناصر. فهل هو من زرع ذلك في قلوب الناس. لا والله، بل هو من وضع محبته في الأرض فأحبه القريب والبعيد من زامله أو تعامل معه. وحين فقدناه يوم الأثنين ليلة الثلاثاء بتاريخ 27 ـ 28 / 5 / 1437هـ . إثر اصطدامه بنــاقة شمــال أرامـكو " الحوطة " ، وتوفي على الفور هو و مرافقه السعدي ( من مصر ) رحمهما الله. أقول حين فقدناه ترك جرحاً عميقاً في نفوسنا. ولا أدل على ذلك كثرة المعزين رجالاً ونساء، وهذا دليل على محبته. فهو رجل متواضع خدوم وقاضي للحاجات يطيب نفس يحب العمل والخدمة والمساعدة في الرحلات و الاجتماعات دون كسل أو توانٍ. لا يهمه وإن كان من معه أصغر منه فهو يسابقهم في العمل والخدمة و كأني به يطبق تلك المقولة ( خادم القوم سيدهم ) شخص يجبرك على احترامه وتقديره. لم أر شخصاً في سن الشباب مثله أجمعت أسرته و زملاؤه على حبه. لذلك رحل مستحقاً بامتياز ذلك الحب جزاء سُمو روحه ودماثة أخلاقه و تعامله مع من حوله وبره بوالديه بشهادة اخوانه. أسأل الله أن يكون ممن انطبق عليهم حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافا الذين يألفُون و يُؤلفُون )) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم ) صححه الألباني .. اللهم اجعلنا منهم.
ــ أخي الكريم: هنيئاً لنا ولكم بتلك المحبة التي استحقها أخاك. والتي شاهدناها في حياته قبل موته.
اللهم وسع له في قبره و اجعله روضةً من رياض الجنة. اللهم اسكنه الفردوس الأعلى من الجنة و اجعل منزلته في عليين، مع الذين أنعم الله عليهم من الشهداء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
اللهم اخلف علينا وعلى والدته و اخوانه و زوجته و بناته خيرا.
إنا لله و إنا إليه راجعون.
· وختاماً .. ماذا عنّا نحن الأحياء : لابد أن نستعد للموت فالموت يأتي فجأة. لابد أن نستعد له بالعمل الصالح وفعل الواجبات و ترك المنهيات. والصلاة الصلاة. وبر الوالدين.
الموت باب وكل الناس داخله .. فانظر لنفسك أيُ البابِ تختارُ
أسأل الله أن يحسن لي ولك و للأحياء منَا الخاتمة. و أن يجمعنا بمن سبقنا و بوالدينا و أحبابنا في الجنة، (( في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر )). وتقبل فائق تحياتي.
: مبارك بن محمد البكر
الأثنين ليلة الثلاثاء 5 ـ 6 / 6 / 1437هـ
الريــــــاض

